الجمعة، 28 أكتوبر 2011

د‏.‏مبروك عطية‏:‏ فقه الأوطان‏..‏ يحل مشكلة الأديان

(نقلا عن جريدة الاهرام )
من منطلق أن الدين لله والوطن للجميع‏,‏ يأتي كتاب فقه الأوطان في الإسلام الذي ما زال مخطوطا بخط اليد ولم يطبع بعد‏,‏ لينير الطريق أمام الكثيرين حول مفهوم الأوطان الصحيح الذي ذكر في القرآن الكريم‏.
 والذي يسمح بالعيش المشترك لكل من يقيم فيه, مشددا علي حرمة إخراج أي إنسان من وطنه, لأن قتل النفس أهون من مغادرة شخص لبلده الذي ولد وتربي فيه, موضحا أن تطبيق فقه الأوطان من الممكن أن يحمي مصر من كوارث محققة خلال الفترة المقبلة, وأن لا أمان لمصر إلا بتحسن أوضاعها, وتوفير الغذاء لساكنيها ومن يفد عليها من البلاد الأخري, فلا يظن ظان أن مصر آمنة بنص قرآني دون عمل, لذلك ذهبت صفحة الفكر الديني إلي الدكتور مبروك عطية مؤلف الكتاب ـ أستاذ الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر بسوهاج لمعرفة المزيد عن فقه الأوطان, فكان هذا الحوار.
> ما هو دافعك لتأليف هذا الكتاب؟

الجمعة، 21 أكتوبر 2011

مفتي الجمهورية‏:‏ وصيتي للحجيج تخصيص ثلـثي الدعاء لمصر

من جريدة الاهرام :-
في الوقت الذي بدأ فيه ضيوف الرحمن قلبا وقالبا الذهاب إلي الأراضي المقدسة لأداء مناسك الحج‏,‏ وإعمالا لقوله تعالي فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون توجهنا إلي المسئول الأول عن الفتوي في مصر‏.

توجهنا إلي فضيلة مفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة وأجرينا معه حوارا خاصا جامعا شاملا حول مناسك رحلة الحج بدءا من الاستعداد لهذه الشعيرة مرورا بالسفر برا وجوا وبحرا وأثناء أداء المناسك حتي الانتهاء منها والعودة إلي الأهل بسلام. طرحنا علي فضيلة المفتي كل ما يدور في ذهن الحاج من أسئلة, لم نترك شاردة ولا واردة إلا سألنا عنها وأجاب فضيلته بكلمات واضحة مبسطة كما عهدناه في رحابة صدر العالم الواثق المتواضع قائلا: في البداية الحج الأكبر نشيده التلبية وهو إكمال الدين وإتمام النعمة.
سألناه: ما الحكمة من مشروعية الحج والعمرة ؟

السبت، 15 أكتوبر 2011

مصر كنانة الله في أرضه من أرادها بسوء قصمه الله بقلم: د.احمد عمر هاشم

اصطفي الله سبحانه الرسل‏,‏ وفضل بعضهم علي بعض قال الله تعالي‏:(‏ تلك الرسل فضلنا بعضهم علي بعض‏)‏ واصطفي الله سبحانه بعض الأزمنة وفضلها مثل شهر رمضان وليلة القدر ويوم عرفة ويوم عاشوراء ويوم الجمعة‏.‏

د.احمد عمر هاشم

واصطفي بعض الأمكنة والبلاد التي خصها رب العباد ببعض الخصوصيات مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة, والقدس الشريف.
ومن الأمكنة والبلاد التي لها بعض الخصوصيات: ارض الكنانة, مصر المحروسة, وقد قضت الارادة الإلهية أن تكون لمصر هذه الخصوصية في الدفاع عن الأمن القومي لأمتها, ولتصون حدودها وتكافح عن عقيدتها وهويتها.
ومن أجل ذلك كان جند مصر خير أجناد أهل الأرض, وكان لقواتها المسلحة مكانتها فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم( إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد أهل الأرض) قيل: ولم كانوا كذلك يارسول الله؟ قال:( لأنهم وأزواجهم في رباط إلي يوم القيامة).

الخميس، 13 أكتوبر 2011

من أدوات بناء الحضارة: الأمة الواحدة بقلم د علي جمعه

من مقتضيات بناء الحضارة تأصيل مفهوم الأمة الواحدة فى العقول، فبناء هذا المفهوم يشمل القواعد الفكرية اللازمة لبناء الحضارة، مثل القدرة على ترتيب الأولويات، وفهم منهج التعامل مع الحياة الدنيا، وتحديد العلاقة مع الآخرين، ووضع برنامج عملى لعمارة الأرض، وعلى ذلك فإن إدراك مفهوم الأمة أمر أساسى إذا كان يمثل المنطلق لهذه القضايا وغيرها، وتفعيل ذلك الإدراك أمر أكثر أهمية من الإدراك المشار إليه.

فلابد علينا أن نتكلم بتوسع - وتحديد أيضا - عن مفهوم الأمة، ففى نظر المسلمين الأمة ممتدة عبر الزمان فيما يمكن أن نسميه «الدين الإلهى»، فالأمة تبدأ من آدم، وتشمل كل الرسل والأنبياء فى موكبهم المقدس عبر التاريخ، والأمة بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - ممتدة عبر الزمان والمكان، وفى جميع الأحوال ولدى جميع الأشخاص، وهذا أمر غاية فى الأهمية إذا اعتبرناه تأسيساً لما ندعو إليه من معاصرة وإصلاح وتجديد، قال الله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون:٥٢]، وقال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:٩٢].

ويمكن أن نقرر أهم صفات تلك الأمة الواحدة، وهى أن هناك مساواة بين البشر، فأصلهم واحد، ومصيرهم واحد، وهو الموت، والخطاب الإلهى إليهم واحد، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـى وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:١٥٨].

فإذا تحدد مفهوم الأمة بهذا المعنى فإن لدينا أمة الدعوة وهى الإنسانية كلها، وأمة الإجابة وهم من صدَّقوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - ودينه ومنهجه فى الحياة، وهم المسلمون الذين اختصوا بخطاب (يا أيها الذين آمنوا). وإذا رجعنا للمعنى الواسع الفسيح نجد مفهوم الأمة يشمل البشرية كلها، ويرى المسلمين مع غير المسلمين أمة دعوة يتوجه لهم جميعا الخطاب بـ(يا أيها الناس) وما أكثره فى القرآن حين يخاطب النفس الإنسانية السوية التى تدرك أن لهذا الكون خالقا يدبر الأمر بحكمة بالغة فى إطار من رحمته السابغة، حتى إنه فى العقائد الإسلامية نرى شفاعة النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة لجميع الخلائق، حتى يصدق عليه قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧] أى السابقين واللاحقين.

الجمعة، 7 أكتوبر 2011

تحت القسم وثيقة الأزهر في برامج الأحزاب قلم: عبدالعظيم حماد

الباقي من الزمن خمسة أيام‏,‏ ويفتح باب الترشيح لانتخابات أول برلمان بعد ثورة‏25‏ يناير‏,‏ ومازلنا نأمل أن يكون برلمانا توافقيا‏,‏ وقدمنا كثيرا من المقترحات التي تؤدي إلي هذه النتيجة‏,‏ دون أن يتنافي أحدها مع المبادئ الديمقراطية‏.‏

ومع أن استراتيجية القوائم الموحدة من عدة أحزاب متحالفه كانت واحدا من تلك المقترحات, والاتجاه الغالب الآن هو الأخذ بها, فإنها لاتكفي وحدها لتحقيق هدف البرلمان التوافقي, الذي ستلقي علي عاتقه مهام جسام, أبرزها دوره الحاسم في اختيار اللجنة التأسيسية لوضع الدستور الجديد.
وكانت الصدفة وحدها قد شاءت أن أكون شاهدا ومعلقا علي مناظرة بين طرفي نقيض في الجدل الدائر حول الاختيار ما بين الدولة العلمانية المدنية, والدولة الدينية أو المدنية ذات المرجعية الدينية, وكلاهما ناشط سياسي بارز في التيار الذي ينتمي إليه, أما الأول فكان الدكتور, عصام العريان نائب رئيس حزب زالحرية والعدالةس الذراع السياسية لجماعة االإخوان المسلميب, والثاني فهو الدكتور عماد جاد عضو الهيئة العليا للحزب زالمصري الديمقراطي الاجتماعيس, وبالطبع كانت هناك نقاط اتفاق بينهما, لكن نقاط الاختلاف كانت أكثر وأخطر, ومن ثم جاءت أول ملاحظة في تعقيبي في شكل سؤال إلي كل منهما: هل تقبل زوثيقة الأزهرس المطالبة بإقامة دولة مواطنة دستورية ديمقراطية حديثة في مصر؟
وجاءت الإجابة من كليهما بنعم عريضة دون أدني تردد؟ وهنا اتفق الحاضرون جميعا علي أن الخلاف قد ضاق نطاقه إلي حد أكبر مما كانوا يتوقعون قبل المناظرة, بل ذهب البعض ذ وكاتب هذه السطور منهم ذ إلي أنه لم يعد هناك خلاف يذكر حول المبادئ الرئيسية للنظام السياسي الذي يجب أن يقيمه دستور ثورة25 يناير عندما يوضع, لأن زوثيقة الازهرس المقبولة ولو بدرجات متفاوتة من جميع القوي والتيارات والأحزاب السياسية تصلح بذاتها لأن تكون ميثاق الشرف الذي يحكم عملية وضع الدستور الجديد, ذلك الميثاق الذي اقترحته تلك القوي والتيارات والأحزاب في لقاء السبت الماضي مع الفريق سامي عنان رئيس الأركان ونائب رئيس المجلس الأعلي للقوات المسلحة.

الأحد، 2 أكتوبر 2011

التصالح مع الذات د علي جمعه

جبلت النفس البشرية علي التطلع للمستقبل‏,‏ والطموح إلي المراتب الأعلي دائما‏,‏ وهو ما حدا بالبعض إلي الجموح لتحقيق أهدافه وأحلامه‏,‏ مستندا إلي مبدأ‏:‏ الغاية تبرر الوسيلة دون نظر إلي ما تمثله تلك الوسيلة من خير أو شر‏,‏ وهو أمر شديد الخطورة‏,‏ يؤثر بالسلب علي الفرد والمجتمع‏.‏
والطموح هو السعي باتجاه الوصول إلي أعلي الأهداف, وحتي يصل الإنسان إلي ما تطمح إليه نفسه في ظل الالتزام بالمبادئ التي قررها الإسلام يجب أن يكون لديه الدافع المحاط بالأخلاق التي حددها القرآن الكريم والسنة النبوية, وإلا أصبح الطموح جموحا يوشك أن يودي بصاحبه ويدمره.
ولقد أوضح لنا رسول الله صلي الله عليه وسلم الطموح الصحيح في أسمي صوره, وزرع فينا حب التميز والتفوق والحصول علي أسمي المراتب في كل مكان نعمل فيه, فالتواضع والزهد في الدنيا ـ اللذان دعا إليهما الاسلام ـ لا يعنيان أبدا أن يقبل المسلم الحد الأدني أو ينزوي وراء الآخرين ويكون في ذيلهم, ولذلك حثنا رسول الله صلي الله عليه وسلم علي العمل لبلوغ الغاية والهدف الأسمي لكل مسلم فقال: إذا سألتم الله فسلوه الفردوس الأعلي, فإنه سر الجنة( المعجم الكبير للطبراني31/4), كذلك علمنا أن نعظم من رغباتنا عند الدعاء, فقال صلي الله عليه وسلم: إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت, ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة, فإن الله لا يتعاظمه شئ أعطاه( مسلم46/8).

الجمعة، 30 سبتمبر 2011

الصوفية‏..‏ بين مطرقة الصراعات وسندان الرسالة



نحن نحاول الدخول بعمق في تكوين الطرق الصوفية التي تبدو أنها خرجت عن مسارها الذي عرفت به عبر التاريخ الإسلامي من زهد وتقشف ورضا وقناعة ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان, إلي صراع وتنازع علي مناصب وأمور مادية لا قيمة لها, كما نحاول في هذه الحلقة الوصول إلي إجابة لسؤال قديم يتجدد باستمرار حول الخرافات والبدع التي يأتي بها الصوفيون في ممارساتهم وشعائرهم, وهل هي من التصوف أم مدسوسة عليه؟ كما نناقش الدعم المالي من الدولة وغيرها للطرق الصوفية, وكيفية تنقية هذه الطرق من الدخلاء.
الصراعات.. والرسالة
في البداية يؤكد الدكتور أحمد عمر هاشم- رئيس جامعة الأزهر الأسبق- علي أن الصراع بين الطرق الصوفية أمر غير مشروع, فلا تنازع في التصوف علي مناصب أو أمور مادية لأنه قائم علي الزهد والرضا والقناعة ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان, ورجال التصوف عبر التاريخ الإسلامي عرفوا بالزهد والتقشف لدرجة أن بعض الصوفية نزلوا مكانا غريبا وناموا فيه وكان لكل واحد منهم غطاء يغطي نفسه به, فسمع أحدهم يقول أين غطائي, فقالوا له ألنا غطاء ولك غطاء, إذن فإعتزلنا, فالتصوف الإسلامي قائم علي المباديء الإسلامية المستنبطة من الكتاب والسنة كما قال سيد الطائفة الإمام الجنيد:(علمنا هذا مشيد بالكتاب والسنة), فالشاهد أن الصراعات بين أهل التصوف غير جائزة, وإذا حدثت فتعد ابتعادا عن محراب التصوف وروحه ومعانيه, ومخالفة مباديء التصوف الإسلامي من الأمور التي تنأي بالإنسان أن يكون صوفيا.
ويوضح الدكتور أحمد عمر هاشم أن التصوف عبارة عن شريعة وطريقة وحقيقة, أما الشريعة فهي ما شرعه الله من عقائد وعبادات وأخلاق, والطريقة هي المنهج الذي يسير عليه الصوفي, أما الحقيقة فهي الثمرة التي يفرزها السلوك الصوفي الحقيقي, فالشريعة بدون حقيقة عاطلة, والحقيقة بدون شريعة باطلة, ومعني هذه المقولة الصوفية أن الإنسان لو كان يتعبد علي الشريعة فيصلي ويصوم ويخاصم الناس فما فائدة صلاته وصيامه؟, فواجب من ينتمون إلي المحراب الصوفي أن يكونوا مثلا عليا في تسامحهم وأن يكونوا متوحدين لا مختلفين, للحفاظ علي المفهوم الحقيقي للتصوف.
التوريث ليس شرعا ومنهاجا
وعن توريث شيخ الطريقة ابنه من بعده يقول الدكتور علوي أمين- أستاذ الشريعة والقانون بجامعة الأزهر- إن التوريث للتصوف ليس شرعا ولا منهاجا, فشيخ الطريقة يختار بمواصفات معينة وهي أن يكون عالما بالكتاب والسنة وزاهدا ومحبا لكل خلق الله, وهناك فرق بين التصوف والشعوذة, فالصوفي يجب أن تتوافر فيه صفات كثيرة منها: الطهارة والصلاة والتوبة والمحبة والمجاهدة والخلوة والخوف من الله والصدق والإخلاص, أما السبحة الطويلة والبخور فقط فهذه شعوذة وليست من التصوف والإسلام في شيء.
ويضيف الدكتور أمين فإذا توافرت صفات الصوفي الحقيقي في ابن شيخ الطريقة فهو أولي أن يختار خلفا لوالده, وأقرب الناس معرفة بالطريق هم أبناء الطريقة, ومن الممكن أن يضع المجلس الأعلي للطرق الصوفية بعض المواصفات المعينة التي يسترشد بها, وأن يتم عمل اختبارات لتقييم المريد ومعرفة مدي علمه بالقرآن والسنة, وأن تتوفر فيه أيضا صفة رئيسية وهي القدرة علي تربية الأتباع والمريدين, فالتربية العملية التي يقوم بها الشيخ لمريديه هي التي حفظت الإسلام في جميع الدول العربية, وقد دخل الإسلام أوربا وانتشر عن طريق التصوف والذي يتجسد في المعاملة الحسنة والأخلاق الكريمة فالناس تدخل الإسلام بأخلاق المسلمين, ويجب أن يختار شيخ الطريقة بناء علي رغبة مريديها جميعا, ولا يجوز أن يكون ابن الشيخ بعيد عن التصوف ولم يحضر مجلس علم لأبيه ويصبح خلفا له, ويؤكد الدكتور علوي أمين أن أغلبية الطرق الصوفية ملتزمة بتلك المعايير في اختيار شيخها, وأن هناك الكثير منها لا تختار أبناءها, مثل الطريقة البرهانية.
ويناشد الطرق الصوفية أن تعود إلي حيث كانت في بدايتها وأن تنسي الدنيا بعض الوقت, فإذا انشغلت بها بعدت عن التصوف, فالمتصوفة أبعد الناس عن الدنيا إلا بقدر.
الخرافات والبدع تصرفات البعض
وحول الخرافات والبدع التي تسئ للصوفيين, يقول الدكتور محمد فؤاد شاكر- استاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر- أننا لا يجب أن نحكم علي تصرفات بعض من ينتسبون إلي التصوف والذين أساءوا إليه أشد إساءة, كالذين يتخذون من التصوف سبيلا لكسب المال أو يفرضون علي الناس مبالغ مادية تعطي لهم طلبا لبركاتهم, حتي أصبح الأمر يعطينا صورة سيئة لإختلاط الرجال مع النساء في الموالد, وحتي أن بعضهم لا يصلي ولا يهتم بأداء الفرائض إنما همه كله أن يذكر الكرامات, ثم يفسرون القرآن علي هواهم, ولكي نحكم علي هذه التجربة علينا أن نعلم أن هذه الفئة من المؤمنين قال فيهم الإمام الجنيد:( إذا رأيتم الرجل لا يصلي ولا يصوم ولا يتمسك بالكتاب والسنة ويطير في الهواء فهو شيطان), ولكي نعيد للتصوف مفهومه الحقيقي وثقة الناس به علينا أن نبعد الأدعياء الذين يتاجرون بالتصوف والصوفية ويلبسونها ثوبا لا يليق بها بل يشوه صورة التصوف كله ويعطي فرصة لأصحاب الأفكار المتشددة لنقد حركة التصوف والتركيز علي هذه النماذج السيئة وتقديمها للناس علي أن هؤلاء هم الصوفيون, وهؤلاء لا علاقة لهم بجوهر التصوف.
ويؤكد الدكتور محمد فؤاد شاكر أنه يجب أن يعلم هؤلاء الذين لم يقرأوا في كتب التصوف أن أكابر علماء الأمة كانوا من الصوفية, مثل: ثابت البناني الذي أخذ كبار علماء الأمة سند الحديث منه, وابن دقيق العيد الذي يعد من أكابر الصوفية وكان مفتيا علي المذاهب الأربعة, فلا ينبغي أن نطلق الذنب في الجميع بل علينا أن نعلم أن الذي يخرج عن حدود الشرع لا صلة له بالصوفية والتصوف.
ليس كل احتفال بالموالد بدعة
أما الدكتور أحمد كريمة- أستاذ الشريعة والقانون بجامعة الأزهر- فيقول إن الإحتفال بموالد سادتنا الرسل والأنبياء ومن عرف بصلاحه كالأولياء الصالحين من المناسبات المنسوبة إلي الدين, لم يأت في حقها نص بالإعمال أو الإهمال فليست بسنة تتبع أو بدعة تجتنب, وهي تخضع لقاعدة المصلحة, والإمام ابن القيم رحمه الله يقول: حيث كانت المصلحة فثم شرع الله, بمعني أنه إذا كان الهدف أو المقصد بالاحتفال بمولد الرسول صلي الله عليه وسلم, وهذا أمر أجمع عليه العلماء- إلا من شذ- التأسي والإقتداء وذكر المناقب ليس اشتهارا ولا افتخارا ولكن من باب قوله تعالي: وبهداهم اقتده, فهذا من الناحية التربوية والسلوكية أمر محمود, ففي صدر الإسلام كان الشعراء يخلدون سير الأبطال والصالحين في قصائدهم الأدبية والتي عرفت بالمدائح. ويشير الدكتور أحمد كريمة إلي أن ما يصاحب الاحتفال من سلبيات فقل أن يسلم عمل من خطأ, فعلي سبيل المثال في عيدي الفطر والأضحي وهما مشروعان بالإجماع, من الممكن أن يقوم بعض الناس بالإحتفال بهم بطريقة غير لائقة مثل المبالغة في الترويح والإسراف, وقد يستخدمها البعض في الإنحراف وتعاطي المخدرات, ولكن هذه السلبيات لا تؤدي بالقول إلي التحريم والتجريم, ولكن يجب أن نقول الإصلاح والذي يتأتي عن طريق قيام لجان تطوعية من الشباب المسلم الصوفي لمنع المخالفات والمحظورات مثل لعب القمار, أو اختلاط الرجال بالنساء, ووسائل اللهو التي لا تليق, وأن يقتصر الاحتفال بالمولد علي مجالس العلم والأذكار الشرعية, ومن الأفضل عدم الإستعانة بالشرطة ولكن بعمل لجان شعبية من أبناء الطرق الصوفية وهم أفضل من اللجوء إلي الأمن, لأنهم يملكون المعرفة بالتصوف الصحيح وهم الأكثر دراية وقدرة علي التوعية به, أما عن مشاركة النساء في الموالد فالمرأة ليست ممنوعة من الخروج ولكن تشارك في حدود الآداب العامة.
الدعم المالي للطرق يحتاج إلي دعم
وحول الدعم المالي من الدولة للطرق الصوفية, يري الشيخ علاء الدين ماضي أبو العزائم- شيخ الطريقة العزمية- أن الدعم المالي للطرق الصوفية غير كاف لمساعدة الطرق علي القيام بكافة أنشطتها, فهي لا تأخذ إلا نسبة محددة من صناديق النذور تبلغ10% توزع علي سبعين شيخا, وعادة ما تعتمد الطرق علي شيخها ومريديها ماديا فتقيم الموالد بالإشتراكات العينية أو المادية, ويري شيخ الطريقة العزمية أنه يجب تغيير نسبة ال10% في القانون عن طريق المجلس الأعلي للقوات المسلحة ليجعلها50% من صناديق النذور التي تبلغ حوالي4 ملايين جنيه, ويؤكد علي أن الدعم المالي أمر هام ومطلوب للطرق الصوفية حتي تستطيع أن تقيم مجالس العلم والندوات والمؤتمرات التي تنشر التصوف و تناقش القضايا المجتمعية, ويجب أن يكون هناك دعم من الدولة أيضا للطرق الصوفية لما لها من دور كبير في نشر وسطية الإسلام, وتقوم الطريقة العزمية مثلا بعمل ندوة أو أثنتين علي الأقل شهريا لمناقشة قضايا الساعة والتوعية بالتصوف الحقيقي ونظمت أيضا العديد من المؤتمرات منها, مؤتمر الدور الصوفي في أمن واستقرار المجتمعات, ومؤتمر رد المسلمين علي أوباما الذي اشتركت فيه الطريقة الشهاوية والتيجانية والجازولية والشبراوية.
ويتفق مع الطرح السابق الشيخ أحمد الصاوي- شيخ الطريق الصاوية- مؤكدا علي ضرورة زيادة نسبة ال10% من صناديق النذور لدعم الطرق الصوفية, لأنها الأولي بذلك فصناديق النذور بجوار أضرحة آل البيت والأولياء والصالحين وهم أهل ومشايخ الطرق الصوفية, فعلي سبيل المثال صندوق النذور الخاص بسيدي أحمد البدوي أحق الناس بنقود هذا الصندوق هم أتباع طريقته أولا ثم باقي الطرق الصوفية, وأيضا أن تقوم الدولة بتزويد دعم الطرق الصوفية من الموازنة العامة للدولة حتي تستطيع أن تقوم بنشاطها مثل أصحاب التيارات الأخري, للحفاظ علي وسطية الإسلام ونشر التصوف داخل المجتمع, فهي تحتاج لإقامة المؤتمرات والندوات والتي تحتاج لمبالغ مالية كبيرة تعجز عن الوفاء بها لقلة الدعم المادي المقدم لها.
إعادة بناء الطرق الصوفية
حول كيفية إعادة بناء الطرق الصوفية لتقوم بدورها الصحيح في المجتمع, يقول الدكتور محمد محمود أحمد هاشم- عميد كلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق- إن العلم في الإسلام هو الأساس التي قامت عليه رسالة الإسلام, لذلك حرص الصوفية الأوائل علي العلم والعبادة معا, فنجد كبار علماء الإسلام الذين تتلمذ علي يديهم الجميع كانوا صوفية, وقد دخل الرسول صلي الله عليه وسلم مسجده ذات يوم فوجد حلقة علم وحلقة ذكر فقال: كلا المجلسين عمل خير وجلس في مجلس العلم وقال: إنما بعثت معلما, فالتصوف علم وجهاد وعبادة وسلوك وإلتزام بمنهج الرسول صلي الله عليه وسلم والصحابة والتابعين, ويجب علي المجلس الأعلي للطرق الصوفية أن يعيد هذه المفاهيم التي قد تكون غابت عن أذهان بعض الطرق الصوفية, ونشر سيرة علماء الصوفية ليكونوا منارات لنا نعتمد عليها في كافة المجالات من فقه وتفسير وفي تناول القضايا المجتمعية أيضا, فالتصوف ليس إنعزالا عن الدنيا وليس تمسكا ببعض الخزعبلات التي لا تمت إليه بصلة.
ويؤكد الدكتور هاشم علي أن إعادة بناء الطرق الصوفية يحتاج لعدة مراحل: أولا, نشر الفكر الصوفي بين أبناء الطرق الصوفية عن طريق شيخ الطريقة, ثانيا: أن يصدر المجلس الأعلي للطرق الصوفية والمشيخة العامة للطرق الصوفية دوريات( عدة مؤلفات بصورة منتظمة) لتبين للمجتمع أساس التصوف, وتعد هذه أيضا دعوة للمجتمع للعودة لمفهوم الأخلاق فالتصوف هو الخلق, ثالثا: نبذ الخلافات بين الطرق والتي تؤدي إلي ضياع الرسالة الأساسية للطرق الصوفية وهي الحفاظ علي وسطية الإسلام, ونحن الآن في حاجة ماسة إلي الإلتزام بالتصوف.
أما فضيلة الشيخ محمود عاشور- عضو مجمع البحوث الإسلامية- فيقول أنه يجب أن يعيش الصوفي حياة مليئة بالحب والرحمة والإيمان بالله وان يلتقي مع الناس بهذه الأخلاق, وبهذا نستطيع أن نجمع مجموعة كبيرة من الناس لينشروا هذه الأخلاق بين الناس, و الرسول صلي الله عليه وسلم يقول:( خير الناس أنفعهم للناس), ويقول أيضا:( والله لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحبه لنفسه), فيجب علي أبناء الطرق الصوفية نبذ الأحقاد وحب الدنيا لنعيش حياة تمثل الصفاء النفسي والوجداني لله سبحانه وتعالي.
تنقية التصوف من الشوائب
وعن الخطوات التي يمكن اتباعها لتنقية المنهج الصوفي من الشوائب العالقة به, يؤكد الدكتور سالم مرة- أستاذ الفقه بجامعة الأزهر- علي أنه توجد قاعدة ثابتة في الفقه الإسلامي وهي أنه إذا خالف الإنسان الكتاب والسنة وما عليه السلف الصالح فليس بصوفي, ومن هنا انحرف المسار بالصوفية إلي أن أصبح كثير من الناس لا يعلمون شيئا عن الكتاب والسنة وينسبون أنفسهم إلي التصوف وصارت فرق شتي ربما وقع التناحر بينها لعدم معرفتها بحدود التصوف, فالتصوف يقف عند قوله تعالي: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولافسادا والعاقبة للمتقين, ولكي نعود بالتصوف إلي المسار الصحيح الذي كان عليه الرعيل الأول فلابد من إلتزام بعض الأمور منها أنه لابد لمن يريد معرفة التصوف أن يدرسه أو أن يلازم شيخا عارفا يأخذ بيده إلي المسالك التي تخلصه من الوقوع في حب الدنيا, لأن الدارس لابد له من شيخ محقق مرشد قد فرغ من تأديب نفسه وتخلص من هواه, ولا بد للقائمين والمهتمين بأمر التصوف من تنقية الكتب المتعلقة بهذا العلم علي يد كبار العلماء والشيوخ, وتدعيم المعاهد والمدارس التي تقوم علي تدريس التصوف بالعلماء العارفين ماديا ومعنويا, وتشجيع الطلاب علي تعلم التصوف, فالواقع الآن به فريقان, فريق ضد التصوف كاملا بل قد يصل بعضهم إلي تكفيره, وهذا لعدم معرفته بمسائل التصوف فيظن أن ذلك دربا من الخيال, مع أن التصوف يرقي بالإنسان في درجات السلوك الرفيع إلي درجة يفهم الأمور فيها فهما صحيحا, يقول الإمام مالك رضي الله عنه: من تصوف ولم يتفقه( أي يتعلم أحكام الفقه والشريعة) فقد تزندق( وهي درب من دروب الجهل والكفر), ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق, فأحيانا تكون هناك بعض الأشياء لا يأمر بها الشرع في ظاهره, ولذلك يقول الإمام الشاطبي رضي الله عنه حينما دخل عليه رجل فسأله عن القدر الواجب في زكاة المال, فقال له: علي مذهبكم أم علي مذهبنا, فتعجب السائل وقال له: ألكم مذهب ولنا مذهب؟ قال: نعم, فقال الرجل: أفتني علي مذهبنا, قال: إذا بلغ المال النصاب وحال عليه الحول ففيه ربع العشر فهذا حكم الشريعة, فسأل الرجل وعلي مذهبكم؟ قال الشاطبي: العبد وما ملكت يداه لسيده, والأمر الثالث في مسار إصلاح التصوف ليعلم الجميع أن التصوف طريق من طرق الإصلاح الإجتماعي لأنه يسمي علم الأخلاق فهو يبني علي التسامح والصفو والعفو والمحبه لله تعالي, والمجتمعات التي بها علماء تصوف ويجمعون الناس حولهم تقل فيها المشاكل والجرائم.